عبد الله بن محمد المالكي

303

رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم

قال أبو عثمان سعيد بن محمد بن الحداد « 19 » : « بلغني عن البهلول « 20 » بن راشد أنه كان يوما جالسا وعنده « 21 » رباح بن يزيد : إذ أقبل « بقية » أخو البهلول من البادية ، فجعل يلهج بذكر البادية ، وبهلول يتقلى اغتماما برباح ، لأنه يعلم أنه لا يحتمل ذكر الدنيا ، فلما أكثر من ذلك ، نهض رباح ، وجعل يقول لبهلول : « سقطت [ من عيني ] « 22 » ، تذكر الدنيا في مجلسك ولا تنكر ولا تغيّر ؟ » فقال له بهلول : « ما أبالي - إذا لم أسقط من عين اللّه عزّ وجل - من عين من سقطت » فخر رباح على رأس البهلول يقبله وجعل يقول : « نعم [ يا حبيبي يا ] « 23 » بهلول ، فلا تبالي من عين من سقطت « 24 » إذا لم تسقط من عين اللّه عزّ وجلّ » . وقال بعضهم « 25 » : حضرت مع رباح جنازة ، والناس في ذلك الوقت في أزمة شديدة وضيق من العيش ، فنظرت إلى رباح ووجهه يتهلل يكاد أن يضحك من البشر ، فقلت في نفسي : « الناس فيما هم فيه من الكرب وهو مستبشر ؟ » . ثم إن اللّه عزّ وجل كشف ذلك عن المسلمين ، وصاروا إلى رخاء من السعر ، ورغد من العيش . واجتمعت معه في جنازة أخرى فنظرت إليه كئيبا حزينا يبدو الحزن منه ، يكاد من شدة الحزن أن يبكي ، فقلت في نفسي : « أين هذه الحالة من الحالة [ التي ] « 26 » كنّا « 27 » [ فيها من ] « 28 » الشدة والضيق ؟ » ، ثم قلت : « واللّه لأسألنه ! » . فلصقت به وقلت له : « يا أبا يزيد ، رأيت منك حالتين ، فلم أجد لنفسي بدا أن أسألك عنهما » ، فقال لي : « وما هما ؟ » فقلت له جميع ما رأيته منه ، فقال : « أو فطنت لي ؟ » فقلت له : « وكل أمرك قد راعيت » فقال لي : « ويحك ! كنا في اليوم

--> ( 19 ) الخبر في الطبقات ص 52 ( ترجمة البهلول ) والمدارك 3 : 92 والمعالم 1 : 260 . ( 20 ) في الأصل : منصور . والمثبت من المصادر . ( 21 ) في الأصل : وعند . والمثبت من المصادر . ( 22 ) زيادة من ( م ) والمصادر . ( 23 ) زيادة من الطبقات والمدارك . وفي ( م ) والمعالم : أحسنت . ( 24 ) في الأصل : سقط . والمثبت من ( م ) والمصادر . ( 25 ) الخبر في المعالم 1 : 258 . ( 26 ) زيادة من المعالم . ( 27 ) في الأصل والمعالم : كان . ( 28 ) كلمتان أصابهما أثر بلل . استعنّا في قراءتهما بنصّ المعالم .